الخميس، 15 أكتوبر، 2009

Coming out ...



* فقرة من كتاب ( أن تكون مثليا ) الذي أعمل على تأليفه

أن تعيش في الخفاء , أن تتصنع ما لا تحس وتخفي ما تحس به , أن تكتم مشاعرك وأحاسيسك وتقفل عليها بترباس فذاك أمر صعب ومرهق للغاية , بالمقابل الخروج إلى العلن ولو كان بصفة غير كاملة ينطوي على مخاطرة كبيرة في مجتمع محافظ مثل مجتمعنا , لكنها كانت خطوة ضرورية وحتمية جاءت بعد طول تفكير وتردد وبعد مرحلة مخاض وتخبط وصراع نفسي مرير لتقبل الذات وفهم اختلافها وخصوصيتها , المرحلة هذه امتدت على مدى سنين عديدة . ظهرت معالمها مع بداية المراهقة الأولى وبدء اكتشاف الجسم والإحساس بتغيراته الفسيولوجية وتبدلاته النفسية المختلفة الناتجة عن النشاط الهرموني الزائد المصاحب لفترة المراهقة , وما صاحب ذالك من استيهامات وخيالات وإيحاءات عاطفية كانت غير مفهومة في تلك الفترة , وخصوصا وأنها مختلفة عن باقي الأقران من نفس المرحلة العمرية . وقد تطلب الأمر سنينا لفهم كنه تلك المشاعر المختلفة و سر ذاك الانجذاب العاطفي والجنسي الغير المفهوم لنفس الجنس .

في بادئ الأمر كان هناك استغراب أو لنقل عدم إدراك كنه تلك الأحاسيس , لكنها كانت تولد شعورا غريبا مزيج من اللذة والنشوة والاستحسان وخصوصا في مرحلة المراهقة المبكرة مع بدء الوعي بالأعضاء التناسلية في بداية نضجها , مع مرور الوقت و التقدم في السن واكتساب معرفة أكثر من خلال الأقران – في غياب تام لمناهج تربوية عن الثقافة الجنسية في المدارس – يكتشف ذاك الاختلاف في الميول العاطفية والجنسية , ومن هنا تنطلق مرحلة الرفض والصراع النفسي والتساؤلات الكبرى التي لا إجابات لها . لماذا أحس بانجذاب غريب لذاك الفتى زميلي في الصف وأتمنى أن أكون بجانبه باستمرار وأحرص على الجلوس بجانبه دائما وأختلس النظر إليه وهو يبدل ملابسه أثناء حصة الرياضة ؟ .كان هذا السؤال يؤرقني دائما وأنا في بداية مراهقتي وأنا أكتشف ميولاتي المختلفة هاته , في حين كان أصدقائي يختلسون النظر ويتجسسون على الفتيات كان بالي أنا مشغول بربيع الذي سحرني ولا أدري لما . ( بالمناسبة صورة ربيع ما زلت أحتفظ بها ليومنا هذا , فكما يقال : ما الحب إلا للحبيب الأول ) .

أتذكر أن هذا الشعور كان دائما مرتبطا بإحساس بالذنب وبتأنيب الضمير المدفوع بالوازع الديني الطاغي لعلمي بأن هذا حرام ولا يجوز كما علمونا وقد كنت في تلك الفترة متدينا أكثر أو لنقل لم يكن قد تبلور لدي بعد مفهوم الدين بشكل واضح كما الآن , أو ربما لأني أردت الهروب من جحيم ذاك المخاض النفسي الرهيب والاحتماء بالدين لعلي أجد فيه حلا أو مخرجا , لكن دون جدوى . هذه المرحلة أخذت وقتا طويلا وما زاد في تأزيم الوضع هو الخوف من البوح أو الاستفسار في غياب محاور أو شخص تستطيع البوح له بأسرارك ومشاكلك الخاصة في محيط أسري مشحون بالخوف والرهبة والسيطرة القمعية للأب حد الرعب , فمجرد التفكير بأن يعلم أحد بالأمر يجعلك تتجمد من الخوف ويدفعك إلى التقوقع والاختباء أكثر . و مع تراكم التجارب والمعرفة المكتسبة بدأت الأمور تنجلي شيئا فشيئا , وقد كان لظهور الأنترنيت في حياتي دورا كبيرا في بلورت مفاهيمي وتصوراتي حول المثلية وبالتالي حول ذاتي وما أنا عليه , فعبره اكتشفت أن هناك أناس آخرون مثلي وبأنني لست الوحيد في هذا . من هنا انطلقت مرحلة البحت عن فهم الذات والوعي باختلافها وخصوصياتها وهي مرحلة هدم والتحرر من كل تلك المعتقدات والأفكار والتصورات المجتمعية السابقة ومحاولة بناء قناعات وأراء جديدة وفق تصورات وأفكار وتجارب مكتسبة حديثا , وقد ساعدني في هذا كثيرا حب المطالعة عندي وخصوصا على الفلسفة وعلم النفس فقد كانتا المدتان المحببتان لدي وقرأت كثيرا لديكارت وسيكموند فرويد .

لكن كل هذا بقي في طي الكتمان دون مشاركة أحد فيه , فوصولك لقناعاتك الخاصة وقبولك ذاتك كما هي والتصالح معها ووضعك لتصوراتك التي ستبني حياتك وفقها لا يعني أن الأمر انتهى , فأنت فرد واحد في مجتمع كبير له قيمه ومعتقداته المغايرة في كثير منها لما أنت عليه , هنا تصل إلى مفترق طرق ومرحلة الاختيار بعد أن تكون قطعت مراحل عدة , فأمامك خياران لا ثالث لهما : إما الاصطدام مع هذا المجتمع والتصريح بأرائك وميولاتك علنا , وهنا عليك أن تكون مدركا ومستعدا لتحمل كل تبعات قرارك هذا . وإما أن تختار الطريق الآخر وهو وضع القناع والانخراط في لعبة الخداع والتمثيل مضطرا .
بالنسبة لي لم يكن من السهل علي اختيار الطريق الأول بل أجزم وأقول بأنه لم يخطر ببالي قط أن أعلن عن ميولي ولم أتصور يوما أن أفعل ذالك , يمكن أن أقول الآن لظروف موضوعية ومنطقية , لكن في تلك الفترة لم تكن هذه الظروف جلية لي بعد , بل بكل بساطة لم أفكر في ذالك لمجرد الخوف من الفضيحة والعار ونظرة المجتمع والأهل .

) ليس بالقرارComing out الآن وبعد مرحلة النضج والإدراك أستطيع أن أقول بأن قرار (
السهل والمتيسر في كل الأحيان في مراحل الوعي والإدراك الأولى ؛ فقرار مثل هذا في مجتمعنا يتطلب أن تكون مستعدا لكل الاحتمالات منها الاستقلال بحياتك في جميع النواحي , لأن الطرد والنفي من الأسرة والمجتمع يكون الاحتمال الأرجح لمثل هذا الاختيار ؛ إن لم يكن رد الفعل أكثر قساوة و تطرفا وربما قد يستهدف حياتك بذاتها وعدم استعدادك يعني الضياع في مجتمع لا يرحم .

فيما يخصني , حتى اليوم وبعد وضوح الرؤية ورسمي للطريق الذي أريد السير فيه. لا أستطيع أن أقول بأنني مستعد للخروج إلى العلن بصفة فورية وكاملة , لا أستطيع أن أفعل ذالك ؛ فأنا شئت أم أبيت فرد من هذا المجتمع في كل الحالات ومهما حاولت التمرد على بعض أفكاره ومعتقداته التي أراها خاطئة وتمس بكرامتي وحريتي الشخصية فإنني بالتأكيد لا أريد الدخول في حرب سأكون أنا فيها الخاسر , لكن هذا لا يعني استسلامي وخضوعي للظلم والحيف , بل علي أن أقاوم بكل الطرق لتوضيح أفكاري وشرح توجهاتي والدفاع عنها ما دامت لا تمس بحرية الآخرين . من هنا كان قراري القيام بالخروج إلى العلن على مراحل ولعل هذه هي ثاني الخطوات في ذالك . وقد تبلورت فكرة تأليف كتاب في ذهني منذ مدة وأنا أحاول ترجمتها على أرض الواقع , و شجعني في ذالك نجاح خطوتي الأولى وهي المدونة الاليكترونية التي أشرف عليها منذ مدة ؛ هذه المدونة التي فتحت لي المجال واسعا للتعرف على العالم وما يدور فيه وربطت عبرها علاقات كثيرة مع أناس من مختلف بقاع العالم واطلعت على تجارب مثلية كثيرة ومختلفة . في انتظار الخطوة الأخيرة من الخروج إلى العلن بصفة تامة والمرتبطة أساسا بالمحيط العائلي القريب.