
* حكــاية
يحكى أنه في إحدى الغابات النائية ، في مكان ما من هذا العالم الواسع ، كانت هناك مجموعة من الأغنام تعيش مجتمعة ، مشكلة قطيعا متماسكا وقويا ، وكانت تتميز هذه المجموعة بكون جميع أفرادها لهم فروة بيضاء ناصعة لا تشوبها شائبة ، وكان هذا مدعاة فخر واعتزاز لهم ويتباهون بكونهم لا ينجبون إلا نعاجا وأكباشا بيضاء .. ولما كانت المجموعة قوية تسود بينها روح الإخاء والتعاون والتآزر فان مجموعة الذئاب لم تكن تجرؤ على التعدي عليها أو الاقتراب من منطقتها ...
وفي يوم من الأيام وضعت نعجة كبشا صغيرا لكنه كان مختلفا قليلا عن بقية الأكباش المولودة حديثا ، فقد كان لون فروته مختلفا ليس أبيضا تماما بل بين الأبيض والأسود .فثارت ضجة وسط العشيرة وسرى لغط شديد حول هذه الواقعة التي تحدث لأول مرة ، وفي الأخير ارتأوا أن يتريثوا قليلا وينظروا كيف ستتطور الأمور مع تقدم الكبش في السن ، لكن المسكين كلما تقدمت به الأيام إلا ويزداد فروه سوادا ولما بلغ عامه الأول كان بلون أسود فاحم .
أعرض عنه الكل ولم يعد يكلمه أو يعبأ به أحدا ، حتى أقرانه من مثل سنه كانوا يسخرون منه ويعيرونه بسواده ، أهله طردوه وقاطعوه باستثناء أمه التي ظلت تحنو عليه وتمده بالطعام بين الفينة والأخرى . فأصبح منبوذا يجول وحيدا مهموما في الغابة ، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن حكماء العشيرة اجتمعوا ليقرروا في مصير هذا الكبش الشاذ الذي ظهر بينهم مخافة أن ينشر العدوى بين أفراد القطيع ، وبعد مداولاتهم خلصوا إلى أن هذا الكبش هو مجلبة للشؤم والعار لهم لهذا وجب التخلص منه ، قال قائل منهم : نقتله ونرميه خارج الغابة حتى تأكله الذئاب .. وبدا أن الكل أجمع على هذا الرأي لكن فجأة تدخل كبش عجوز يحظى باحترام وتقدير الجميع وقال ، بل ننفيه من حظيرتنا ، فأجمعوا على رأيه وأخذوا به واستقروا على طرد الكبش الأسود لا لسبب إلا للونه الأسود المختلف عنهم .
خرج الكبش على غير هدى وهو يتوقع في كل لحظة أن تهاجمه الذئاب وتفترسه ، وكان قد عقد العزم على أن لا يقاومها لأنه يستعجل الموت بعد الذي حصل له .. لكنه وبعد أيام من المسير لم يصادف أي ذئب ، بل وصل إلى مزرعة بها بشر يربون حيوانات كثيرة ، أغنام .. خيول .. أبقار .. دجاج .. فما كان منه إلا أن تقدم نحو المزرعة ن فلما رآه رجل عجوز أشفق لحاله وأدخله الحظيرة و تعهده بالرعاية وضمه لباقي حيواناته .
في حظيرة الأغنام داخل أعماق الغابة بعد هذه الحادثة بدأ الخوف يسري بين أفراد المجموعة من أن يظهر بينهم من جديد كبش أو نعجة سوداء وتكون مجلبة للعار لهم ، فكف الجميع عن التوالد والتناسل . ومع مرور الوقت شاخت المجموعة ولم تعد تستطيع الدفاع عن نفسها ضد هجمات الذئاب . عقدت الأكباش اجتماعا للنظر في المصير الذي ينتظرها ، تدخل الكبش الطاعن في السن و اقترح على المجموعة اقتراحا بدا لهم غريبا لكنهم بعد أن تمعنوا فيه ودرسوه استقروا عليه ، اقترح عليهم الكبش العجوز : أن يتطوع أحدهم ويذهب إلى مزرعة أحد البشر تبعد مسافة أيام عن الغابة ويحاول أن يستدرج صاحب المزرعة إلى الحظيرة فيتم إنقاذهم جميعا . كان هذا هو الحل المتوفر لهم فقبلوه على الفور وتطوع الكبش الهرم للذهاب في المهمة لكونه الوحيد الذي يعرف طريق المزرعة .
خرج الكبش في مهمته المحفوفة بالمخاطر وهو يحمل على عاتقه مسؤولية إنقاذ عشيرته من الهلاك .. وبعد أيام من المسير و التخفي عن المفترسين في الغابة الموحشة وصل الكبش إلى المزرعة منهوك القوى ، ولما اقترب من السياج شمه الكلب الذي بدأ بالنباح ، سمع الكبش الأسود نباح الكلب فخرج لاستطلاع الأمر ولما اقترب شم رائحة قطيعه السابق فجرى نحو الكلب ليجد الكبش العجوز وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وقد تعرف كل منهما على الآخر ، تمتم الكبش العجوز بآخر كلماته للكبش الأسود قائلا : أنقذ عشيرتك يا بني ... وفارق الحياة .
تأثر الكبش الأسود كثيرا لموت الكبش العجوز فهو يذكر صنيعه معه و كيف أنقذ حياته قبل سنين حين اجتمعت العشيرة وكانوا يريدون قتله و رميه للذئاب ، لكن الكبش العجوز تدخل و طرح عليهم فكرة طرده من القطيع بدل قتله . تعالى الكبش الأسود على جراحه و الظلم الذي وقع عليه من أهله و عزم على الهبوب لإنقاذ قطيعه وهو يردد قول الشاعر : أهلي وان جاروا علي كرام " .
تحدث الكبش الأسود مع حيوانات المزرعة فتطوعوا كلهم للمساعدة ، فجمع جميع الكلاب و الأكباش القوية و الأحصنة و بعض الثيران و انتظر حلول الليل و خرج يقود المجموعة عبر الغابة . بعد يومين وصل أرض عشيرته ، فوجد القطيع وقد تناقص عدده وتضاءل ولم يبقى فيه إلا العجائز و قليل من الكباش الصغار ، لما رأته بعض الكباش الكبيرة عرفته وندمت على فعلتها وجرمها القديم في حقه ، وفهمت أن الاختلاف ليس مبررا للاضطهاد أو الرفض ، فكوني مختلفا عنك لا يعني أنني عدوك ، عدونا جميعا هو الجهل بطبيعة الأمور ... وقاد الكبش الأسود ما بقي من قطيعه نحو المزرعة والى بر الأمان .

15 التعليقات:
من أيمن
حبيبي كريم رائع والله
حبيبي حبيت أكون أول المعلقين على هـ الموضوع
دائما تطربنا بكلماتك ومواقفك التي تأخدنا الى مستوى راق ومتميز الى أبعد الحدود، فعلا الاختلاف ليس مبررا للرفض والاضطهادأذ، قد أختلف معك لكني لست عدوك استمر عزيزي فنحن بحاجة الى مثل هذه المستويات التي تخدم فعلا القلم والقضايا العالقة.
وعن جد اشتقت لك واتمنى نلتقي في أقرب الآجال بجبك كثييييييييييييييييييييررررررر
حبوبي
شكرا على تعليقك الجميل .. طبعا الاختلاف ليس مبررا للاضطهاد ولااحتقار
أنتظر قدومك بفارغ الصبر
تقبل تحياتي واشواقي الحارة
Mon cher karim
Enfin, après un bon moment d'attente, tu nous écris ce beau texte plein d'enseignement et de sagesse. Tu nous as toujours habitués à la qualité et à la délicatesse de ton style. Pour ma part, je suis devenu très attaché à tes récits et please! please! ne nous fais plus attendre plus qu'il en faut.
Très cordialement
Amjad
merci bcp mon cher amjad
أرجو أن أكون دائما عند حسن ظنك تشجيعك دائما يدفعني للأمام
تحياتي الخالصة
سلامي كريم مطول الغيبة حبيبي هههه لا والله لاننا نحبك نحس بغيابك بسرعة
الموضوع كثير هايل تشبه قصة البطة البشعة وقصة السندويش للملكة الاردن
الكبش الاسود هو المثلي
القطيع الابيض هو المجتمع العربي
المزرعة التي فيها كل الحيونات هي الدول الغربية
صحيح ............................
لا بد يجي اليوم يعرف المجتمع العربي قيمتنا ويعترف فينا كجزء منه مثل نهاية القصة
دوم مبدع بكتابتك انشاء الله دوم
على فكرة مدونتي مش محجوبة في المغرب انت بس اخطات بالمدونة لي مدونة ثانية
اتمنى اشوفك عليها حبيبي
يا الله تحياتي لك
شكرا صديقي زيزو على حضورك الدائم ومتابعتك المتواصلة
وشكرا على كلامك الطيب وتشجيعك المتواصل
تحياتي الحارة
هالقصة حكاها لالي صديقي زيزو طبعا بعد ما قراها كتييير اثرت في و عرفت ان اي شخص موجود في الارض مش هيك وبس
Muy agradable de hecho probablemente voy a descargarlo. Gracias
我一直想我的网站上张贴这样的东西,这给了我一个主意。干杯。
يا الاهي لم أكن اتصور أن يعلق أحدهم على مدونتي باللغة الصينية ... حاولت الترجمة عبر جوجل لكن لم أفهم شيئا ...
عموما ... شكرا للشخص الذي ترك التعليق
Como novato, siempre estoy buscando en línea para los artículos que me puede ayudar. Gracias Wow! ¡Gracias! Siempre quise escribir en mi sitio algo así. ¿Puedo tomar parte de tu post en mi blog?
Ek wou net 'n vinnige opmerking om te sê ek is bly ek het jou blog te maak. Dankie
Me encanta este post - totalmente kewl! ¡Bien hecho! Me voy a volver a este ...
أين أنت .. وأين حياتك المنسية !!!؟؟ لماذا توقفت عن الكتابة ؟
الإختلاف ماساة أغلب الشعوب ..
انت مبدع كريم . وأحببت طريقتك
آدم
إرسال تعليق