الجمعة، 13 نونبر 2009

وحدة ...


هذا البحر ... هادئ أمامي ، أمواجه وديعة ، تتلاطم برفق على حاشية الشاطئ الرملي ... وأنا – أكتشف هذا المكان لأول مرة – البحر هادئ أمامي ... والبحر داخلي عاصف ، أمواجه هوجاء ...
رويدا ، رويدا... تنزل هذه السكينة الغريبة وتتغلغل في أعماق الأعماق ... أشعر بلذة الوحدة ، ونشوة الاختلاء بالنفس – أعجبني المكان كثيرا سوف أعود أكيد – سأعود وسيكون هو معي ... سأجرب كيف سأحس عندما يكون هو معي ، بجانبي ، يدي في يده ... غريب أمري ... عندما يكون بعيدا عني يجتاحني زخم هائل من الكلام أريد إخباره به ، وأتمنى لو كان بقربي لأخبره به دفعة واحدة ، ولا أنتظر منه الجواب ... يكفيني أن يضع رأسه على صدري وينام بسكينة . ولكن عندما يكون معي واضعا رأسه على صدري يهرب كل ذاك الكلام ويختفي ... ولا أعود أسمع إلا دقات قلبه وقلبي ... واشم عبيره فأسكت ، وأمعن في السكوت ...
كلمته وحدثه عن سحر المكان ... وأخبرته أني وحيد بدونه ... سكت ...وقال لي ... اصبر حبيبي ... يوما ما سيجمعنا مكان واحد ، وعش واحد ، وقلب واحد ...
سحر المكان يأخذني ... والوقت يمر بسرعة خارقة ... صوت مركب صغير وصوت تكسر الأمواج على حافة الشاطئ يؤلفان سمفونية رائعة ساحرة ...
لحن يخترق قرار هذه النفس الحالمة ، فيعيد لها شيء من الراحة والطمأنينة وشيء من الإلهام يدفعها للتحمل والمثابرة أكثر ، تحمل آلام ولسعات الوحدة القاتلة .

الخميس، 15 أكتوبر 2009

Coming out ...



* فقرة من كتاب ( أن تكون مثليا ) الذي أعمل على تأليفه

أن تعيش في الخفاء , أن تتصنع ما لا تحس وتخفي ما تحس به , أن تكتم مشاعرك وأحاسيسك وتقفل عليها بترباس فذاك أمر صعب ومرهق للغاية , بالمقابل الخروج إلى العلن ولو كان بصفة غير كاملة ينطوي على مخاطرة كبيرة في مجتمع محافظ مثل مجتمعنا , لكنها كانت خطوة ضرورية وحتمية جاءت بعد طول تفكير وتردد وبعد مرحلة مخاض وتخبط وصراع نفسي مرير لتقبل الذات وفهم اختلافها وخصوصيتها , المرحلة هذه امتدت على مدى سنين عديدة . ظهرت معالمها مع بداية المراهقة الأولى وبدء اكتشاف الجسم والإحساس بتغيراته الفسيولوجية وتبدلاته النفسية المختلفة الناتجة عن النشاط الهرموني الزائد المصاحب لفترة المراهقة , وما صاحب ذالك من استيهامات وخيالات وإيحاءات عاطفية كانت غير مفهومة في تلك الفترة , وخصوصا وأنها مختلفة عن باقي الأقران من نفس المرحلة العمرية . وقد تطلب الأمر سنينا لفهم كنه تلك المشاعر المختلفة و سر ذاك الانجذاب العاطفي والجنسي الغير المفهوم لنفس الجنس .

في بادئ الأمر كان هناك استغراب أو لنقل عدم إدراك كنه تلك الأحاسيس , لكنها كانت تولد شعورا غريبا مزيج من اللذة والنشوة والاستحسان وخصوصا في مرحلة المراهقة المبكرة مع بدء الوعي بالأعضاء التناسلية في بداية نضجها , مع مرور الوقت و التقدم في السن واكتساب معرفة أكثر من خلال الأقران – في غياب تام لمناهج تربوية عن الثقافة الجنسية في المدارس – يكتشف ذاك الاختلاف في الميول العاطفية والجنسية , ومن هنا تنطلق مرحلة الرفض والصراع النفسي والتساؤلات الكبرى التي لا إجابات لها . لماذا أحس بانجذاب غريب لذاك الفتى زميلي في الصف وأتمنى أن أكون بجانبه باستمرار وأحرص على الجلوس بجانبه دائما وأختلس النظر إليه وهو يبدل ملابسه أثناء حصة الرياضة ؟ .كان هذا السؤال يؤرقني دائما وأنا في بداية مراهقتي وأنا أكتشف ميولاتي المختلفة هاته , في حين كان أصدقائي يختلسون النظر ويتجسسون على الفتيات كان بالي أنا مشغول بربيع الذي سحرني ولا أدري لما . ( بالمناسبة صورة ربيع ما زلت أحتفظ بها ليومنا هذا , فكما يقال : ما الحب إلا للحبيب الأول ) .

أتذكر أن هذا الشعور كان دائما مرتبطا بإحساس بالذنب وبتأنيب الضمير المدفوع بالوازع الديني الطاغي لعلمي بأن هذا حرام ولا يجوز كما علمونا وقد كنت في تلك الفترة متدينا أكثر أو لنقل لم يكن قد تبلور لدي بعد مفهوم الدين بشكل واضح كما الآن , أو ربما لأني أردت الهروب من جحيم ذاك المخاض النفسي الرهيب والاحتماء بالدين لعلي أجد فيه حلا أو مخرجا , لكن دون جدوى . هذه المرحلة أخذت وقتا طويلا وما زاد في تأزيم الوضع هو الخوف من البوح أو الاستفسار في غياب محاور أو شخص تستطيع البوح له بأسرارك ومشاكلك الخاصة في محيط أسري مشحون بالخوف والرهبة والسيطرة القمعية للأب حد الرعب , فمجرد التفكير بأن يعلم أحد بالأمر يجعلك تتجمد من الخوف ويدفعك إلى التقوقع والاختباء أكثر . و مع تراكم التجارب والمعرفة المكتسبة بدأت الأمور تنجلي شيئا فشيئا , وقد كان لظهور الأنترنيت في حياتي دورا كبيرا في بلورت مفاهيمي وتصوراتي حول المثلية وبالتالي حول ذاتي وما أنا عليه , فعبره اكتشفت أن هناك أناس آخرون مثلي وبأنني لست الوحيد في هذا . من هنا انطلقت مرحلة البحت عن فهم الذات والوعي باختلافها وخصوصياتها وهي مرحلة هدم والتحرر من كل تلك المعتقدات والأفكار والتصورات المجتمعية السابقة ومحاولة بناء قناعات وأراء جديدة وفق تصورات وأفكار وتجارب مكتسبة حديثا , وقد ساعدني في هذا كثيرا حب المطالعة عندي وخصوصا على الفلسفة وعلم النفس فقد كانتا المدتان المحببتان لدي وقرأت كثيرا لديكارت وسيكموند فرويد .

لكن كل هذا بقي في طي الكتمان دون مشاركة أحد فيه , فوصولك لقناعاتك الخاصة وقبولك ذاتك كما هي والتصالح معها ووضعك لتصوراتك التي ستبني حياتك وفقها لا يعني أن الأمر انتهى , فأنت فرد واحد في مجتمع كبير له قيمه ومعتقداته المغايرة في كثير منها لما أنت عليه , هنا تصل إلى مفترق طرق ومرحلة الاختيار بعد أن تكون قطعت مراحل عدة , فأمامك خياران لا ثالث لهما : إما الاصطدام مع هذا المجتمع والتصريح بأرائك وميولاتك علنا , وهنا عليك أن تكون مدركا ومستعدا لتحمل كل تبعات قرارك هذا . وإما أن تختار الطريق الآخر وهو وضع القناع والانخراط في لعبة الخداع والتمثيل مضطرا .
بالنسبة لي لم يكن من السهل علي اختيار الطريق الأول بل أجزم وأقول بأنه لم يخطر ببالي قط أن أعلن عن ميولي ولم أتصور يوما أن أفعل ذالك , يمكن أن أقول الآن لظروف موضوعية ومنطقية , لكن في تلك الفترة لم تكن هذه الظروف جلية لي بعد , بل بكل بساطة لم أفكر في ذالك لمجرد الخوف من الفضيحة والعار ونظرة المجتمع والأهل .

) ليس بالقرارComing out الآن وبعد مرحلة النضج والإدراك أستطيع أن أقول بأن قرار (
السهل والمتيسر في كل الأحيان في مراحل الوعي والإدراك الأولى ؛ فقرار مثل هذا في مجتمعنا يتطلب أن تكون مستعدا لكل الاحتمالات منها الاستقلال بحياتك في جميع النواحي , لأن الطرد والنفي من الأسرة والمجتمع يكون الاحتمال الأرجح لمثل هذا الاختيار ؛ إن لم يكن رد الفعل أكثر قساوة و تطرفا وربما قد يستهدف حياتك بذاتها وعدم استعدادك يعني الضياع في مجتمع لا يرحم .

فيما يخصني , حتى اليوم وبعد وضوح الرؤية ورسمي للطريق الذي أريد السير فيه. لا أستطيع أن أقول بأنني مستعد للخروج إلى العلن بصفة فورية وكاملة , لا أستطيع أن أفعل ذالك ؛ فأنا شئت أم أبيت فرد من هذا المجتمع في كل الحالات ومهما حاولت التمرد على بعض أفكاره ومعتقداته التي أراها خاطئة وتمس بكرامتي وحريتي الشخصية فإنني بالتأكيد لا أريد الدخول في حرب سأكون أنا فيها الخاسر , لكن هذا لا يعني استسلامي وخضوعي للظلم والحيف , بل علي أن أقاوم بكل الطرق لتوضيح أفكاري وشرح توجهاتي والدفاع عنها ما دامت لا تمس بحرية الآخرين . من هنا كان قراري القيام بالخروج إلى العلن على مراحل ولعل هذه هي ثاني الخطوات في ذالك . وقد تبلورت فكرة تأليف كتاب في ذهني منذ مدة وأنا أحاول ترجمتها على أرض الواقع , و شجعني في ذالك نجاح خطوتي الأولى وهي المدونة الاليكترونية التي أشرف عليها منذ مدة ؛ هذه المدونة التي فتحت لي المجال واسعا للتعرف على العالم وما يدور فيه وربطت عبرها علاقات كثيرة مع أناس من مختلف بقاع العالم واطلعت على تجارب مثلية كثيرة ومختلفة . في انتظار الخطوة الأخيرة من الخروج إلى العلن بصفة تامة والمرتبطة أساسا بالمحيط العائلي القريب.

السبت، 16 ماي 2009

سؤال ...


على شاطئ البحر , الشمس تميل إلى المغيب , يجلسان على رمال الشاطئ أحدهما متكئا على الآخر , مسندا رأسه على صدر صديقه .

الأول : ( الذي يسند رأسه على صدر صديقه )
كريم ...
الثاني : ( وهو يداعب خصلات شعر صديقه بأنامله )
نعم حبيبي ...
الأول : أنا أحبك كثيرا ...
الثاني : ( يبتسم ابتسامة واسعة ثم يطبع قبلة صغيرة على حبين صديقه )
وأنا كذالك حبيبي , أحبك كثيرا كثيرا جدا ...
الأول : لكنني خائف ...
كريم : ( ينظر لصديقه بحنان )
خائف ...! ؟ مراد لماذا تقول هذا الكلام ... مما أنت خائف ؟
مراد : أخاف أن أفقدك يوما ما أو تتخلى عني , أنا لا أستطيع أن أعيش بدونك ...

لا يرد كريم عليه... يكتفي بأن يحضنه بحنان ويطبع على جبينه قبلة حانية .
يلوح من بعيد خيالا شخصان قادمان باتجاههما لا تبدو ملامحهما بوضوح , يعتدل كريم ومراد في جلستهما , يقترب الخيالان أكثر وأكثر فإذا بهما شابان في مقتبل العمر , فتى وفتاة يحضنان بعضهما البعض غير عابئين بما حولها .

مراد : ( وهو ما زال يتابعهما بنظراته )
أنظر كم يحبان بعضهما ...
كريم : نعم... حتى أنهما لم ينتبها لوجودنا ... كم هو رائع الحب ...
مراد : ( يلتفت لكريم ويسأله )
كريم ... لماذا لا نستطيع نحن أن نفعل مثلهما ...؟

ينظر كريم في عيني حبيبه مراد بابتسامة تشوبها مسحة من الحزن الدفين دون أن يستطيع أن يجيب ... ثم يضمه إلى صدره بحنان ويسرح ببصره بعيدا نحو الأفق محاولا البحث عن جواب للسؤال ...

الاثنين، 20 أبريل 2009

ماذا نريد ... – وجهة نظر –


بعد الرجة الأخيرة التي خلفتها تصريحات الأخ سمير البركاشي منسق جمعية كيف كيف لجريدة الصباح , والطريقة الغير المهنية التي تعاملت بها الصحيفة مع تلك التصريحات وما تلاها من نقاش واسع داخل المجتمع بخصوص المثلية الجنسية في المغرب والتي تعد من أحد الطابوهات التي ما زال تناولها في العلن يثير كثير من ردود الأفعال السلبية , قلت هذا النقاش الذي انخرطت فيه عدة فعاليات مختلفة من أحزاب و إعلام و جمعيات ... حاول الكل للأسف الركوب على الموجة لتحقيق أهدافه الخاصة , فبعض الصحف انطلقت بمنشطات مثيرة هدفها خلق بروبكندا لتحقيق مزيد من المبيعات بعيدا عن العمل الصحفي النزيه باستثناء أسبوعية واحدة تناولت الموضوع بجدية وحيادية , وبعض الأحزاب وجدتها فرصة لتصعد من مزايداتها السياسوية الشعبوية قبيل الانتخابات الجماعية , وجمعيات لم نسمع بها من قبل نصبت نفسها وصية على المجتمع مدعية حمايته مما أسمته المس بأخلاقه وقيمه .

هذا التحريض والشحن خلف للأسف ردود أفعال سلبية حيث وقعت عدة اعتداءات على أشخاص مثليين في مدن مغربية مختلفة بل وصل الأمر إلى حد ارتكاب جرائم قتل , وتم تخريب الموقع الرسمي لجمعية كيف كيف وتوصل كثير من المثليين برسائل تهديد – وكنت من بين من توصل بهذه التهديدات – ولا ننسى الضجة التي أثيرت حول ما يسمى موسم سيدي علي بن حمدوش والاعتقالات التي تمت من طرف الدرك لعدة أشخاص بتهمة المثلية

كل هذا يدفعنا للوقوف لحظة للتفكير والتأمل في الأمر مليا , وأن نطرح على أنفسنا سؤالا يبدو منطقيا في مثل هذه الظروف , ماذا نريد نحن معشر المثليين المغاربة ؟
لعل ردة الفعل المتشنجة هذه والتي استغرب لها كثيرا ممن كان يظن أن المجتمع المغربي أصبح متفتحا كفاية للقبول بمثل هذه النقاشات , تدفعنا لتوضيح توجهاتنا وأفكارنا وما نريده بالضبط , فنحن شئنا أم أبينا أفراد من هذا المجتمع في كل الحالات ومهما حاولنا التمرد على بعض أفكاره ومعتقداته الخاطئة التي تمس بكرامتنا وحريتنا الشخصية فإننا بالتأكيد لا نريد الدخول في حرب سنكون أكيد نحن فيها خاسرون , لكن هذا لا يعني استسلامنا وخضوعنا للظلم والحيف بل علينا أن نقاوم بكل الطرق الحضارية والقانونية لتوضيح أفكارنا و شرح وجهة نظرنا للمجتمع حتى يقبلنا كأفراد فاعلين ومتساويين فيه مهما اختلفت ميولاتنا وتوجهاتنا ما دامت لا تمس بحرية الآخرين , لذا يجب علينا كما قلت آنفا توضيح ما نريده وما نسعى إليه لإزالة سوء الفهم الكبير والتصورات المسبقة الخاطئة عن المثلية التي ترسخت على مر العصور في ذهنية مجتمعاتنا المحافظة حتى النخاع .

نحن عندما ندافع عن مثليتنا ندافع عن وجودنا بحد ذاته وهذا أسمى ما نسعى إليه , أن يعترف المجتمع بوجودنا ويحترم خصوصياتنا واختلافنا , نحن لا ندعو إلى إنشاء دولة أو تمرد لقلب نظام الحكم , ولا نسعى لتغيير المجتمع وتحويله إلى مجتمع مثلي – فالمثلية ليست بتحول أو اكتساب – نحن لا نتبنى العنف أو نعتنق الكفاح المسلح لتحقيق غاياتنا , نحن لا نهدف المساس بالأمن العام أو الأمن الروحي أو الأخلاقي للمجتمع ... نحن مجرد فئة صغيرة من المجتمع ما بيننا هو مجرد اختلاف في الميولات ليس إلا , لا نشكل خطرا على أحد ولا نعتدي على حقوق أحد , نحن نعرف أين تبتدئ حريتنا وأين تنتهي لأننا ببساطة جزء من نسيج هذا المجتمع , نحن لم نخرج في مسيرات حاشدة رافعين الرايات – وان كان هذا حق تكفله لنا جميع الحقوق المدنية المتعارف عليها عالميا – نحن لم نطالب بأن يشرع لنا الزاج الرسمي وتبني الأطفال كما في دول أخرى , ولم نشكل لوبيات أو جماعات ضغط أو أحزاب تعمل لصالحنا فنحن أبعد ما نكون عن السياسة .

فان كانت هذه مطالبنا وتصوراتنا لما نريد فإننا بالمقابل نطلب من المجتمع أن يحترم خصوصيتنا ويتقبلنا كما نحن بعيدا عن الاضطهاد والاحتقار والنظرة الدونية , وحتى من لا يريد تقبلنا والتعامل معنا فهذا شأنه وهو حر في ذالك , لكن بالمقابل يجب أن يمتنع عن أي إساءة أو إيذاء في حقنا لأن حقوقي تنتهي عندما تبتدئ حرية الآخر وهذا مبدأ قانوني متعارف عليه دوليا , إن كنا نريد إنشاء دولة الحق والقانون كما يردد في مختلف المحافل .

الاثنين، 16 مارس 2009

وحيد كالأصداف ... حزين كالصفصاف ...


مع بداية كل تعارف ... مع كل لقاء جديد ... يطلق عنان خياله لرسم ملامح علاقة يريدها ويحتاجها بشدة , يبحث عنها منذ زمن طويل , منذ أن اكتشف اختلافه ... اختلافه عن غيره من الناس ... علاقة يتصورها في خياله ويرسم لها سيناريوهات عديدة ومختلفة ... يحلم بمجرد شخص يفهمه , يتقاسم معه تلك المشاعر والأحاسيس التي تجعله مختلفا ... شخصا يحبه بجد ...شخصا يضفي على قلبه قليلا من الدفء الذي افتقده منذ زمن أو بالأحرى دفئا لم يعرفه يوما , حتى صار هذا القلب كلوح من الجليد لا ينبض إلا ليعيش ... هو مستعد لمنح قلبه العليل هذا لأول شخص يهبه لمسة حنان أو جرعة حب ... فهو لا يطلب الكثير ... شخص يحبه بصدق , يفهمه , ويكون على استعداد لأن يتقاسم معه باقي الأيام من حياته .لكن بعد كل لقاء أو اثنين تنهار تلك الأحلام والأماني العظام كقصور من رمال ... حتى من هم مثله لا يفهمونه , لا يدركون مبتغاه ... هو لا يريد ولا يبحث عن علاقة عابرة يشبع بها رغبته , فقد تجاوز منذ زمن سيطرة تلك الرغبة وعرف كيف يكبح جماحها ... ما يحمله في قلبه العليل أشرف وأنبل من مجرد نومة في فراش وينتهي كل شيء بعدها ... لم يكن يوما الجنس كل مبتغاه ... ما أضناه البحث عنه هو حضن دافئ , وقلب حنون , وصدر رحب يعوضه عن كل تلك الأيام والليالي الباردة التي قضاها يرسم فيها مدنا من أحلام ويبني قصورا من رمال ... يحس أن العمر يتقدم به والسنين تجري , وكل ما يخشاه أن يبقى وحيدا. فمقدوره أن يمشي أبدا في الحب على حد الخنجر ... ويظل وحيدا كالأصداف ... ويظل حزينا كالصفصاف ... مقدوره أن يمضي في بحر الحب بغير قلوع ... ويحب ملايين المرات ... ويرجع كالملك المخلوع .